Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124

إن كنت من محبي القهوة —ونحن جميعًا من عشاقها— فلا ريب أن فجر يومك لا يتنفس إلا حين تستخلص ذلك الفنجان الساخن، المليء بعبير الصباح، وتتناوله في منزلك أو في طريقك إلى العمل. إن مذاق قهوتك ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تضافر عناصر شتى؛ يأتي على رأسها التكوين المعدني للماء، وجودة حبات البُن، وبراعة طقوس التحضير.

وفقاً لعلماء بجامعة “باث”، فإن كيمياء المياه تفرض سطوتها على المذاق النهائي للقهوة؛ إذ تُعد المستويات المنخفضة من “البيكربونات” والمستويات العالية من “المغنيسيوم” هي أساس تحضير فنجان يلامس حد الكمال. وقد أزاحت الدراسة الستار عن أن التركيب المعدني للماء هو العامل الأشد تأثيرًا على نسبة استخلاص المركبات الكيميائية الموجودة في البُن؛ فالماء الغني بالمغنيسيوم يعزز من استخلاص مكامن النكهة في الحبوب، بينما يعمل الصوديوم والبيكربونات —اللذان يغلبان على المياه المعبأة— على إضعاف النكهة وإفساد المذاق.
وإن كنت تتعجب من سر اختيارك للقهوة دون غيرها لتكون فاتحة يومك، فسوف أشرح لك في هذا المقال مجموعة من المفاهيم العلمية التي ستغير نظرتك لهذا المشروب.

بصفتك عاشقًا للقهوة، فأنت تدرك يقينًا أن حبة البُن هي عبارة عن مستودع لمئات المركبات الكيميائية. ومع ذلك، فإن نسب هذه المركبات تختلف تبعًا لنوع الحبة، ومكان زراعتها، وكيفية تحميصها. وقد أوضحت دراسة جامعة “باث”، المذكورة في الأعلى، أن كيمياء الماء هي العامل الرئيسي لضمان استخلاص النسب القويمة من النشويات، والقواعد، والسكريات، والأحماض. فما نكهة القهوة إلا تجلٍ لمدى قدرة الماء على استلال الكيمياء من الحبوب المطحونة؛ ويدخل في هذه العملية عوامل أخرى، مثل دقة الطحن، ودرجة حرارة المياه، وأسلوب التحميص، وزمن تعرض البُن للماء، والضغط المستخدم في التحضير.
لذا، فإن الحصول على الفنجان المثالي يحتاج إلى ماءً ذا جودة عالية. فالمياه العسرة، أو تلك المثقلة بالعناصر الملحية، تجور على مذاق القهوة. ومن الجدير بالذكر إنه لا يوجد ماء واحد يهب نكهة ثابتة لشتى أنواع التحميص؛ وهذا ما يفسر تباين مذاق قهوتك وإن اتحدت الظروف والمقادير.
ويمكن تحقيق أفضل نتائج تحضير القهوة باستخدام تقنيات ترشيح مختلفة ومعالجة مياه الصنبور العسرة بشكل معقول.

إن جُلّ ما نتذوقه في القهوة هو في حقيقته “رائحة” تدركها الأنوف قبل الثغور؛ فالفم لا يلتقط إلا أحاسيس محدودة: الحموضة، والمرارة، والملوحة. ولولا رائحتها، لما كان الفنجان إلا طعمًا حامضًا أو مٌرّاً بفعل الأحماض العضوية. وإن رابك ريب في ذلك، فجرب أن تسد أنفك حين تتذوق أولى رشفاتك، وستتأكد من كلامي.
إن المذاق الساحر للقهوة ينبع بأسره من “المركبات المتطايرة” التي تنبعث حين تتعرض حبات البُن للتحميص. هذه المركبات تشابه في تكوينها ما يحدث عند طهي الطعام؛ فرائحة الخبز الزكية مثلاً ليست إلا نتاج تفاعل البروتين مع السكر فيما يعرف بـ “تفاعل مايلارد” أثناء عملية الخبز.
وهناك ما يُعادل الـ 800 مُركب ثانوي يتكونون أثناء التحلل الحراري للبُن؛ حيثُ تتحلل البروتينات والسكريات لتشكل ذلك الأريج الجذاب الذي يُميز القهوة. وتحدث هذه التفاعلات داخل الجدران السميكة لخلايا حبة البُن، والتي تعمل كغرف ضغط دقيقة. وكل مركب من هذه المركبات الثمانمئة يُثير استجابة فريدة في الغشاء الشمي للأنف.
أما القهوة المصنوعة من الحبوب الخضراء (غير المحمصة)، فتأتي بطعم عشبي قوي؛ فرغم احتوائها على الكافيين ونفس المركبات العضوية، إلا أنها تفتقر لتلك النسمات المتطايرة التي لا يحررها إلا لهيب التحميص.
ورغم أن القهوة المحمصة لا تحوي سوى عشرين مركبًا رئيسيًا، إلا أن سطوة المركبات الثانوية هي ما يمنحها ذلك السحر الذي نهواه. وعند تحليل هذه الروائح، نجد طيفًا واسعًا من الصفات؛ فبعضها ذو رائحة منفرة، وبعضها الآخر يفيض بعبير الفواكه، ومنها ما يوصف بالزنخ. ومن هنا، يصح القول إن ما تسميه “رائحة القهوة” هو في الحقيقة سيمفونية من مئات الروائح المتباينة الناتجة عن تفاعلات كيميائية.
بعد أن كشفنا أسرار الرائحة الجذابة التي تظهر بعد التحميص، نأتي إلى العوامل التي يُمكنك التحكم بها أثناء تحضير فنجانك، للحصول على النتيجة المرجوة. ففي عصر يتسابق فيه خبراء القهوة (الباريستا) في التفنن وإتقان تحضير القهوة، قلما نجد فنجانًا رديئًا، لكن يختلف المذاق من فنجان إلى آخر. وثمة أربعة متغيرات جوهرية تمسك أنت بزمامها للحصول على فنجانك المثالي، وهم:
وبما أن الكافيين شديد الذوبان في الماء، فيتم استخلاص هذا المركب أولاً، بينما تتأنى المركبات المتطايرة والزيوت في الخروج، وهي المسؤولة عن تعقيد النكهة. أما الأحماض العضوية المسببة للمرارة، فهي الأبطأ في الاستجابة. وإليك تفصيل لهذه المتغيرات:

هناك رابطًا وثيقًا بين درجة خشونة طحن حبوب القهوة، وزمن الاستخلاص. فكلما كانت حبيبات القهوة أنعم، زادت مساحة السطح الملامسة للماء، وزادت سرعة الاستخلاص. وعلى العكس من ذلك، كلما كان الطحن خشنًا، قلت مساحة السطح، وقلت معها سرعة الاستخلاص.
هذا يعني أنه إذا قمت بطحن حبوب القهوة إلى مسحوق ناعم، فإنك تزيد من مساحة السطح المتاحة للاستخلاص، مما يؤدي إلى استخلاص سريع للمركبات المستهدفة. يمكن أن يكون هذا شيئًا جيدًا أو سيئًا اعتمادًا على طول وقت الاستخلاص (زمن تعرض الحبوب للماء). وغالبًا ما يتم طحن القهوة التركي بشكل ناعم وغليها، وهذا ما يجعلها قوية جدًا ومرة.
أما الحبوب الخشنة تكون لها مساحة سطح صغيرة جدًا تلامس الماء. وبالتالي تحتاج إلى التعرض إلى الماء لمدة أطول لاستخلاص مركباتها الكيميائية، وهذا ما يحدث في طرق التحضير بالتقطير، مثل الـ V60.
ويقع الطحن الأمثل أو خشونة حبوب القهوة في مكان ما بين المسحوق الناعم والحبوب الخشنة جدًا.
أما العنصر الآخر، هو الوقت الذي يمر فيه الماء الساخن عبر القهوة المطحونة، فيحدد قوة فنجان القهوة. فكلما كانت الحبوب أنعم، تحركت المياه بصعوبة عبر القهوة المطحونة، مما يعني زمن استخلاص أكبر، وبالتالي زاد وجود الكافيين والزيوت المتطايرة والمركبات العضوية في فنجان القهوة، والعكس صحيح!
فنجان القهوة الذي تم تحضيره باستخدام حبوب ذات جودة عالية، ولكنك تجد أن طعمه ضعيف جدًا، فهذا يعني أن الحبوب مطحونة بشكل خشن جدًا، أو كان هناك معدل تدفق مرتفع للماء. أما إذا كان فنجان القهوة مرًا للغاية، فهذا يعني أنه يحتوي على مستويات عالية جدًا من الأحماض العضوية لأن الحبوب طُحنت بشكل ناعم جدًا.

بافتراض أننا حافظنا على ثبات جميع المتغيرات باستثناء درجة الحرارة، فماذا سيحدث عندما نحضر القهوة في درجات حرارة مختلفة؟
تؤثر درجة الحرارة بشكل كبير على ذوبان المركبات ومعدلات استخلاصها. إذا استخدمت ماءً مثلجًا، فلا يزال بإمكانك صنع فنجان من القهوة، لكنه لن يكون غنيًا مثل الفنجان المصنوع من الماء المغلي وسوف يستغرق وقتًا طويلاً جدًا لصنع فنجان لائق. يتم صنع القهوة الباردة (Cold brew) عن طريق وضع الحبوب المطحونة في الماء البارد ثم تركها لتتحضر داخل الثلاجة لساعات – بل لأيام لأن معدلات الاستخلاص منخفضة جدًا.
تؤثر درجة الحرارة بشكل متوسط على ذوبان الكافيين وتؤثر بقوة على ذوبان الأحماض العضوية في الماء. لذلك، من المتوقع أن يحتوي فنجان القهوة المحضر طوال الليل في الثلاجة على مستويات منخفضة من الكافيين، ومرارة أقل بكثير مقارنة بالقهوة المحضرة بالماء المغلي. عندما تستخدم الماء المغلي، يتم استخلاص كل شيء – الكافيين والأحماض العضوية – بشكل أسرع بكثير، مما يؤدي إلى مستويات عالية من الكافيين، والأحماض العضوية المرة.
يحتوي متغير درجة الحرارة على عامل معقد يجب أخذه في الاعتبار عند ضبط درجة الحرارة لتحضير القهوة – وهو تطاير الزيوت. عندما تغلي القهوة، تتبخر مركبات الرائحة والنكهة مع البخار، مما يؤدي إلى قهوة ذات طعم ضعيف ولكنها غنية بالأحماض العضوية والكافيين. وهذا يعني أن فنجان القهوة الصباحي المثالي لا ينبغي تحضيره في درجات حرارة قصوى. يكفي أن تكون المياه ساخنة فقط، لا تتركها لتغلي.

الفنجان المثالي من القهوة هو الفنجان الذي يحتوي على أقصى كميات من الزيوت المتطايرة والكافيين، ولكن مع كميات محدودة من الأحماض العضوية المرة. هذا يعني أنه يمكنك التأثير على معدلات هذه العناصر في القهوة من خلال التحكم في وقت التحضير. هذا هو طول الوقت الذي يتلامس فيه الماء مع الحبوب المطحونة للسماح للزيوت والكافيين والأحماض بالذوبان.
إذا كان وقت الاستخلاص قصيرًا جدًا، فستحصل على فنجان قهوة غني بالكافيين ولكن نكهته ومرارته ورائحته ضعيفة لأن العناصر التي تؤثر على الطعم لم تُستخلص بشكل صحيح. إذا قمت باستخلاص القهوة لفترة طويلة جدًا، فسيحتوي فنجانك على مستويات عالية من الأحماض العضوية، مما يجعله مرًا جدًا.
يتم تحديد الوقت المناسب الذي يجب أن يستغرقه فنجان القهوة المثالي للتحضير من خلال التجربة والخطأ. وبالطبع تلعب المتغيرات الأخرى في هذه القائمة، مثل: درجة الحرارة وخشونة حبوب القهوة، دورًا في تحديد مدة الاستخلاص. ولصنع فنجان قهوة مثالي باستمرار، يجب عليك الحفاظ على ثبات جميع المتغيرات الأخرى أثناء تجربة مدة التحضير، مع الحفاظ على نفس جودة حبوب القهوة.

تُعتبر نسبة القهوة إلى الماء العامل الأكثر أهمية في صنع فنجان القهوة المثالي، وهي ببساطة – كمية القهوة لكل وحدة مياه. عندما تكون هناك كميات قليلة جدًا من القهوة، حتى عند تحسين جميع المتغيرات الأخرى، سيكون طعم فنجان القهوة ضعيفًا. وعندما يكون هناك الكثير من القهوة والقليل من الماء، سيكون المشروب قويًا بشكل مفرط. تعتمد النسبة المثالية للماء إلى القهوة على اختيارك لطريقة التحضير، وبالتأكيد تتغير مع تغير العومال الثلاث الأخرى في هذه القائمة.
إذا كنت تستخدم مرشح التنقيط (Drip filter) لاستخلاص القهوة، فأنت بحاجة إلى أن تكون نسبة القهوة إلى الماء قليلة، لأن درجة حرارة الماء أعلى وزمن الاستخلاص طويل.
إذا كنت تستخدم المكبس الفرنسي (French press)، فأنت بحاجة إلى المزيد من القهوة لكل وحدة مياه لأن درجة حرارة الماء تنخفض بسرعة.
أما إذا كنت تستخدم ماكينة إسبريسو حديثة، فيمكنك ضبط كمية الماء بما يناسب ذوقك. وغالبًا ما يتم الحفاظ على درجة حرارة الماء عند حوالي 97 درجة مئوية.
الخلاصة هي: لكي تصنع فنجان القهوة الصباحي المثالي، عليك طحن الحبوب بالخشونة المناسبة، ومراعاة درجة حرارة الماء وزمن الاستخلاص، وضبط نسبة القهوة إلى الماء بناءً على طريقة التحضير المستخدمة!
وهكذا، يتبين لنا أن فنجان القهوة ليس مجرد مزيج عابر، بل هو سيمفونية محكمة، تعزفها كيمياء الطبيعة على أوتار العلم والدقة. هو ذاك اللقاء السرمدي بين صفاء الماء وعنفوان الحرق، رحلة تبدأ من أعماق التربة وتنتهي برشفةً تداعب الروح قبل الحواس. إن إدراكك لتلك التفاصيل الدقيقة —من معادن الماء إلى أسرار الحرارة وزمن الاستخلاص— يحول عادتك الصباحية من مجرد استهلاكٍ روتينىّ إلى طقسٍ من طقوس الفن.